عبد الله بن أحمد النسفي

45

مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )

[ سورة البقرة ( 2 ) : آية 4 ] وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ ( 4 ) أمنه التكذيب ، والمخالفة وتعديته بالباء لتضمنه معنى أقرّ واعترف بِالْغَيْبِ بما غاب عنهم ممّا أنبأهم به النّبيّ صلى اللّه عليه وسلم « 1 » من أمر البعث والنشور والحساب وغير ذلك ، فهو بمعنى الغائب تسمية بالمصدر من قولك غاب الشّيء غيبا ، هذا إن جعلته صلة للإيمان ، وإن جعلته حالا كان بمعنى الغيبة والخفاء أي يؤمنون غائبين عن المؤمن به وحقيقته ملتبسين بالغيب « 2 » ، والإيمان الصحيح أن يقرّ باللّسان ويصدّق بالجنان ، والعمل ليس بداخل في الإيمان وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ أي يؤدونها ، فعبر عن الأداء بالإقامة ، لأنّ القيام بعض أركانها ، كما عبر عنه بالقنوت وهو القيام « 3 » ، وبالركوع والسجود والتسبيح لوجودها فيها ، أو أريد بإقامة الصلاة تعديل أركانها من أقام العود إذا قوّمه ، أو الدوام عليها والمحافظة من قامت السّوق إذا نفقت ، لأنه إذا حوفظ عليها كانت كالشئ النافق الذي تتوجه إليه الرغبات ، وإذا أضيعت كانت كالشئ الكاسد الذي لا يرغب فيه ، والصلاة فعلة من صلى ، كالزكاة من زكى ، وكتابتها بالواو على لفظ المفخم ، وحقيقة صلى حرك الصلوين « 4 » لأنّ المصلي يفعل ذلك في ركوعه وسجوده ، وقيل للداعي مصل تشبيها « 5 » في تخشعه بالراكع والساجد وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ أعطيناهم وما بمعنى الذي يُنْفِقُونَ يتصدقون ، أدخل من التبعيضية صيانة لهم عن التبذير المنهي عنه ، وقدم المفعول دلالة على كونه أهم ، والمراد به الزكاة لاقترانه بالصلاة التي هي أختها ، أو هي وغيرها من النّفقات في سبل الخير لمجيئه مطلقا ، وأنفق الشيء وأنفده أخوان كنفق الشيء ونفد وكلّ ما جاء ممّا فاؤه نون وعينه فاء فدال على معنى الخروج والذّهاب ، ودلت الآية على أنّ الأعمال ليست من الإيمان حيث عطف الصّلاة والزّكاة على الإيمان والعطف يقتضي المغايرة . 4 - وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ هم مؤمنو أهل الكتاب كعبد اللّه بن سلام « 6 » وأضرابه من الذين آمنوا بكل وحي أنزل من عند اللّه ، وأيقنوا بالآخرة إيقانا زال معه ما كانوا عليه من أنّه لا يدخل الجنّة إلا من كان هودا أو نصارى ، وأنّ النّار لن « 7 » تمسّهم إلا

--> ( 1 ) في ( ز ) عليه السلام . ( 2 ) في ( ز ) متلبسين بالغيبة . ( 3 ) سقطت الواو من ( ظ ) . ( 4 ) زاد في ( ز ) أي الأليتين . ( 5 ) زاد في ( ز ) له . ( 6 ) عبد اللّه بن سلام بن الحارث الإسرائيلي ، أبو يوسف ، روى عنه ابناه يوسف ومحمد ، شهد مع عمر رضي اللّه عنه فتح بيت المقدس ، توفي عام 43 ه ( الأعلام 4 / 90 ) . ( 7 ) في ( ظ ) لم تمسهم ، وهو خطأ من الناسخ .